0 تصويتات
بواسطة
اضرار المضاد الحيوي للحامل في الشهر التاسع الثامن السابع السادس

الأنانية في استخدام المضادات الحيوية
الصيدلي حمدان نجيب العجمي*

تخيل معي أن أرضا خضراء ذات مساحة محدودة يصل لها رعاة الغنم بكل يسر وسهولة، ما يميز هذه الأرض أنها كأي مصدر طبيعي مشتركة بين الجميع ومفتوحة للجميع، يأتي الرعاة كل يوم إليها، فترعى الأغنام دون مشقة، ما يميز هذه الأرض أنها مستدامة، فإذا استنفذت الأغنام جزءاً من خضرائها فإن المطر كفيل بإعادة إنبات ما استنفذ وتعود كما كانت خضراء مزهرة، هذا هو الناموس الطبيعي.


تخيل معي الآن أن هؤلاء الرعاة قرروا زيادة عدد قطيعهم طلبًا للربح الأكبر، مجرد مصلحة شخصية ذات طابع أناني بحت، ما الذي يمكن أن يحدث لهذه الأرض؟

هل ستكمل على استدامتها؟ كم عدد الأغنام التي تستوعبها الأرض الخضراء دون التأثير على استدامتها؟ هل ستختفي الأرض في يوم ما إذا بقيت مفتوحة مشاعاً للجميع؟

في الستينات طرح العالم هاردين هذا السؤال في مجلة ساينس لشرح فكرته الجديدة (تراجيدا المشاع، أو مأساة المشاع، أو مشكلة المصادر المشتركة بين الناس)، واستنتج بعد مقال علمي رصين أن الأرض سوف تختفي وتصبح قاحلة لأنها واقعة ضمن تراجيديا المشاع، فالأرض ستكون بين أنانية الرعاة (منفعتهم الذاتية) وبين محدوديتها.

فهؤلاء الرعاة سيتصرفون وفق المصلحة الشخصية، فكل راع سيجلب عددا أكبر من الأغنام سعياً إلى الربح وإكثار القطيع، دون اعتبار لموضوع استدامة الأرض الخضراء، لن يكفي المطر في تعويض النقص وستصبح الأرض قاحلة تمامًا بعد سنوات .

هناك أمثلة كثيرة على قاعدة (تراجيدا المشترك أو المشاع) مثل حدوث التلوث نتيجة الأنانية في التصنيع واستخدام المشترك وهو جو الأرض النقي دون اعتبار المضار على البيئة، وهناك مثال آخر مثل السمك ذلك المصدر المحدود في البحر، ماذا يحدث لو فتحنا الباب على مصراعيه للبحارة؟ هل سيستطيع السمك التكاثر بالسرعة نفسها التي يحاول فيها البحار صيد أكبر عدد من الأسماك وفق أنانية شخصية دون السماح للسمك بأن يتكاثر؟

يمكن تطبيق هذا المبدأ على ما يحدث الآن من مأساة في القطاع الصحي والمشترك المحدود للبشرية هنا هو المضادات الحيوية، والعاملون في القطاع الصحي يمثلون الرعاة الأنانيين، والأنانية تكمن بالاستخدام المفرط وغير الضروري للمضادات الحيوية والذي يؤدي إلى تكوين مقاومة شرسة من البكتريا لهذه المضادات.

الراعي هنا هو يشبه كل عامل في القطاع الصحي يتصرف وفق مصلحته الشخصية باستخدام المضادات الحيوية دون اعتبار للمجتمع والمصلحة العامة، الطبيب الأناني الذي يفرط في استخدام المضادات الحيوية ويصف المضادات في غير محلها أو يصرف المضادات كإجراء احترازي لمريض لا يحتاجها، أو يصرف المضاد الحيوي الأقوى دون حساب العواقب الوخيمة للمجتمع في تكوين المقاومة له، كذلك الصيدلي الذي يصرف المضادات الحيوية لكل عابر طريق من غير وصفة طبية لأنانية شخصية، الممارس الصحي الذي يرمي المضادات الحيوية في المجاري وهو العمل الذي يؤدي إلى انتشار البكتريا الفتاكة.. وهلّم جرى.

هذه الأفعال الأنانية البسيطة من العاملين في القطاع الصحي ستجر ويلات غير بسيطة ومعقدة على المجتمع بأكمله، فهي بوابة لإنتاج البكتريا المقاومة ونشرها في المجتمع، ويصبح الجنس البشري بعد سنوات أمام عدوى فتاكة ومصادرنا من المضادات الحيوية ستصبح قاحلة كأرض الرعاة تلك.

الاستخدام الخاطئ للمضادات الحيوية يشبه هؤلاء الرعاة الذين لم يدركوا بعد ما يفعلونه بمصدرنا المحدود من المضادات الحيوية، الأنانية التي تحركنا للاستخدام المفرط للمضادات الحيوية دون وعي بخطر ما نفعله بالمصلحة العامة، إن الخطر على البشرية قادم، مع الوقت سترتفع نسب مقاومة البكتريا لما نملك من عدد محدود من المضادات الحيوية، ستجد الإنسانية نفسها أمام عدوى لا علاج منها ومضادات حيوية لا فائدة فيها، ستؤدي جروح بسيطة إلى الوفاة وسنرجع فيها إلى وقت ما قبل الحرب العالمية وسنصبح في عصر (ما بعد المضادات الحيوية) حسب تعبير منظمة الصحة العالمية.



المضادات الحيوية مصدر محدود وذو قيمة عالية، إن المضادات الحيوية أرضنا الخضراء التي يجب علينا أن نحافظ عليها وشركات الأدوية تصنع من هذه المضادات الحيوية أقل كل سنة، بل إن الشركات لا تفكر في تصنيع مضادات جديدة، فما هي الجدوى الاقتصادية من مضاد بكتيري ستقدر البكتريا على مقاومته خلال فترة وجيزة؟

في الستينات والسبعينات كانت هناك عشرات المضادات الحيوية التي تجد طريقها للمستشفيات بين حين وآخر بينما نجد أنه في العام الماضي لم يخرج للنور سوى أقل من خمسة مضادات حيوية على مستوى العالم والعدد في نقصان.

دراسة حديثة تقول ان ثلث المضادات الحيوية في أميركا كانت تصرف في غير محلها للمرضى. وتبين الدراسات أن هناك مئة ألف مريض ماتوا في أميركا العام الماضي بسبب عدم قدرة المستشفيات على علاج عدواهم بسبب البكتريا المقاومة. العلماء في حيرة ودقوا ناقوس الخطر ومنظمة الصحة العالمية ومركز مكافحة العدوى الأميركي اطلقوا حملة توعوية عبر الشبكات الاجتماعية تحمل مصطلح (عصر ما بعد المضادات الحيوية) والذي يتوقع أن نصل إليه خلال العشر سنوات القادمة.

إن صحة الأجيال القادمة رهن الجيل الحالي، ونخشى أن يصبح علاج عدوى المستقبل صعبا كصعوبة علاج سرطانات اليوم!

الوعي بهذا الأمر ضروري، ومعركتنا مع البكتريا المقاومة لم تنتهِ بعد، بل، إنها لم تبدأ بعد.

المصدر جريدة الرياض

إجابتك

نحن نحرص على خصوصيتك: هذا العنوان البريدي لن يتم استخدامه لغير إرسال التنبيهات.

...