0 تصويتات
بواسطة
خطبة الجمعة مكتوبة عن عقوبة تارك الصلاة في القبر

الخطبة الأولى
أما بعد: فإننا لا زلنا معكم في بيان صراط الله المستقيم، الذي يقود العباد إلى جنات النعيم، وينجي صالحهم من دار الجحيم. وصراط الله الذي لا يصل المرء إلى مراده إلا منه هو التقوى والعمل الصالح، لذلك تجدوننا نحدّثكم عن الكبائر التي من شأنها أن تسدّ الطريق أمام السائرين إلى الله رب العالمين.
والكبيرة التي سنتحدث عنها اليوم هي "ترك الصلاة"، كبيرة من كبائر الذنوب شاعت وذاعت في المجتمعات الإسلامية، يشب عليها الصغير ويهرم عليها الكبير، فضاع مفهومها، وفقدت عظمتها، وانحطّت منزلتها، مع أنها عمود الدين، وركنه الرّكين، ووجوبها معلوم حتى لدى الكفار والمشركين، قد استهان الناس بالصلاة، فأظلمت القلوب، وتفاقمت الكروب، وبحث الناس عن الأسباب، وطرقوا للبحث عن العلاج كل باب، بحثوا في كل شيء إلا في صلاتهم وهي أقرب الأشياء إليهم:
كالعيس في البيداء يقتلها الظّما والماء فوق ظهورها محمول
ولقائل أن يقول: ما بال الخطيب يحدثنا عن الصلاة ونحن مصلون؟! هلا ذهب إلى الذين آثروا البقاء خارج المسجد فيأمرهم بالصلاة؟!
فأقول: إن هناك أسبابًا كثيرة تجعلنا نتحدث اليوم عن الصلاة، أهمها:
أولاً: لنفهم معنى ترك الصلاة، فإن جمهور المسلمين اليوم لا يدركون معنى ترك الصلاة وإضاعتها، ويظنون أن ترك الصلاة هو عدم الصلاة أصلاً، وهذا مفهوم باطل، لا يشك في بطلانه عاقل. ألا فاعلموا أن ترك الصلاة هو تأخيرها عن وقتها حتى يذهب، فيترك صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ويترك صلاة المغرب حتى يغيب الشفق الأحمر، ويترك العشاء إلى ما بعد منتصف الليل. هذا هو معنى ترك الصلاة، فقد قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيًّا [مريم:59] قال: (إضاعتها هو إخراجها عن وقتها).
وروى أبو يعلى عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبي: يا أبتاه، أرأيت قوله تعالى: فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ أيّنا لا يسهو؟ أيّنا لا يُحدّث نفسه؟ قال: (ليس ذاك، إنما هو إضاعة الوقت، يلهو حتى يضيع الوقت).
من هنا ندرك جيدًا أن الذي يخرج الصلاة عن وقتها لم يقم الصلاة كما أمر الله، لأن إقام الصلاة معناه: أداؤها في وقتها بأركانها وواجباتها.
واستمعوا إلى النصوص المرهبة من ترك الصلاة:
1- قال الله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ فِى جَنَّـٰتٍ يَتَسَاءلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلّينَ [المدثر:38- 43].
2- وروى مسلم عن جابر مرفوعًا: ((بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر)).
3- وروى أحمد وأبو داود وغيرهما عن بريدة مرفوعًا: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)).
4- وروى الطبراني في الأوسط مرفوعًا: ((أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله)).
5- وروى أحمد وغيره عن ابن عمر قال: ذكر النبي الصلاة يومًا فقال: ((من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف)).
وخصّ هؤلاء بالذكر لأن من الناس من يلهو عن صلاته لأجل ماله فهو مع قارون، ومنهم من يلهو عنها لملكه فهو مع فرعون، ومنهم من يلهو عنها لجاهه فهو مع هامان، ومنهم من يصدّه كبره فهو مع أبيّ بن خلف.
6- قال عبد الله بن شقيق العقيلي: كان أصحاب محمد لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي.
7- واستمعوا إلى ما يرويه لنا المسور بن مخرمة قال: دخلت على عمر بن الخطاب وهو مسجًّى ـ أي: مغطى يوم طعنه اللعين المجوسي ـ، فقلت: كيف ترونه؟ قالوا: كما ترى، قلت: أيقظوه بالصلاة، فإنكم لن توقظوه لشيء أفزع له من الصلاة، فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين، فقال: (ها الله إذًا، ولا حق في الإسلام لمن ترك الصلاة)، فصلى وإنّ جرحه ليثغب دمًا.
انظروا ـ إخوتي الكرام ـ إلى عظمة الصلاة في قلب عمر لتعلموا السر الذي جعل عمر ومن عاش مع عمر أعظم الناس عند الله رب العالمين، وخير أمة أخرجت للناس على مر السنين.
واستمعوا إلى عقاب تارك الصلاة في قبره قبل أن يقف بين يدي ربه، فقد روى البخاري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال كان رسول الله مما يكثر أن يقول لأصحابه: ((هل رأى أحد منكم من رؤيا؟)) قال: فيقصّ عليه من شاء الله أن يقصّ، وإنه قال ذات غداة: ((إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه، فيتهدهد الحجر ها هنا، فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصحّ رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق... قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك، أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة...)).
هذا هو جزاء تارك الصلاة الذي يؤخرها عن وقتها في قبر نكر، والساعة موعدهم والساعة أدهى وأمرّ.
كل هذه النصوص تزيد التائبين الطائعين ثباتًا على الصلاة وحفاظًا عليها مدى الحياة، وتبصر الغافلين الذين يغفلون كل يوم عن أداء بعض الصلوات في أوقاتها المفروضة، وخاصة صلاة الفجر التي ـ للأسف الشديد ـ يهجرها كثير من المسلمين، وكأن العبد هو الذي يضع وقتها، فيصليها متى استيقظ من نومه، وكأنه لم يسمع أمر الله تعالى بهجران نومه وملاقاة ربه، وكأنه لم يسمع قول المولى عز وجل: حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ[البقرة:238].
نُشير إلى التنوفة وهي قفر ومن بالسّفح يعلم من عنينا
كلامنا إذن عن الصلاة والترهيب من تركها له محله في هذه الأيام، نوجّهه إلى كل مسلم غافل، اعتاد على ترك صلاة الفجر فلا يصليها حتى تطلع الشمس، واعلم جيدًا ـ أخي الكريم ـ واعلمي جيدًا ـ أختي الكريمة ـ أن الثمرة من سماع خطب الجمعة هو التنبّه والحذر من هذه الغفلة، وإلا فأين المعصوم؟! فإننا ولله الحمد نحاول جاهدين لإصلاح بواطننا وظواهرنا، ولعل كثيرًا منّا ينفعه الله بما سيسمعه من هذه القصة التي رواها البخاري ومسلم:
كان النبي عائدًا وأصحابه من إحدى الغزوات، فأضناهم السفر، فنزلوا عند مكان ليبيتوا فيه، فخشي رسول الله أنه إن نام فاتته صلاة الفجر لشدة تعبهم، فقال: ((أيكم يحرس علينا صلاتنا؟))، فقال بلال: أنا يا رسول الله، فناموا، ثم غلبت بلالاً عيناه فنام هو الآخر، فلم يستيقظوا إلا والشمس طالعة، وكان أول من استيقظ رسول الله ، فأمرهم أن يبتعدوا عن ذلك المكان وقال: ((إنه مكان حضرنا فيه الشيطان))، ثم أمر بلالا بالأذان فأذن وصلوا صلاتهم، ثم استأنفوا المسير، فإذا ببعض أصحاب رسول الله يتناجون فيما بينهم وجلين يقولون: ما عسى الله أن يفعل بنا، ما عسى الله أن يفعل بنا، فسمعهم رسول الله فقال: ((إنما التفريط في اليقظة من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك)).
لاحظوا جيّدًا إخوتي الكرام، كانوا عائدين من الجهاد في سبيل الله الذي يفرّ منه أعتى الرجال، ولاحظوا جيدًا أنهم اتخذوا سببًا ليستيقظوا لصلاة الفجر، ولاحظوا جيدًا أنهم شعروا بألم الحسرة والخوف من الله لأجل ما حدث، فهل أنت كذلك؟ هل تنام في ساعة متأخرة من الليل لجهاد أو صلاة؟ وهل تتخذ الأسباب؛ تحضّر المنبه، وتوصي أهلك ليوقظوك؟ ثم هل تشعر بمرارة الذنب لهذا التفريط والتقصير؟
لشتان بين اليزيدين في الندى: اليزيد بن عمرو والأغر بن حاتم
فهمُّ الفتى الأزدي إتلاف ماله وهمّ الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ولكنني فضّلت أهـلَ المكـارم




الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كما أمر، الذي وعد بالمزيد لمن شكر، وأوعد بالعذاب من تولى وكفر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المعتبر، ما اتصلت عين بنظر، وسمعت أذن بخبر، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأتباعه المقتفين للأثر، أما بعد: فإن السبب الثاني الذي جعلنا نتحدث عن الصلاة بعد تنبيه الغافلين هو تثبيت الطائعين، هو أن تعلموا بأنه كما نحرص على أمور دنيانا يجب علينا أن نحرص على أمور ديننا، وكما أنّك تنصح أبناءك بالاجتهاد في الدراسة والاعتناء بمستقبلهم، يجب عليك ـ أيها الوالد وأيتها الوالدة ـ أمر الأبناء بالصلاة منذ سن السابعة، والاعتناء بمستقبلهم الحقيقي "الآخرة"، نسارع جميعًا ونبادر إلى تسجيل أطفالنا في المدارس بمجرد أن يبلغوا السادسة من العمر، بل نحاول جاهدين تسجيلهم قبل ذلك، فلماذا لا نسارع لتسجيلهم في قائمة المصلين منذ سن السابعة؟ اتلُ عليه الآيات والأحاديث التي سمعتها في الخطبة، وذكره بالأجر العظيم الذي يناله من وراء الصلاة قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبّهِ فَصَلَّىٰ [الأعلى:14، 15]، وقال: قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ[المؤمنون:1، 2].
وإليكم هذه البشارات من رسول الله ، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟)) قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: ((فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله الخطايا)) متفق عليه.
وقال: ((إن الله تعالى يقول: أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه)) رواه أحمد.
وعن ابن عمر مرفوعًا: ((إن العبد إذا قام يصلي أُتي بذنوبه كلها فوضعت على رأسه وعاتقه كلما ركع أو سجد تساقطت عنه)) رواه البخاري.
وروى البخاري ومسلم عن عثمان قال: والله لأحدثنكم حديثًا سمعت رسول الله يقول: ((لا يتوضأ رجل فيحسن الوضوء، ثم يصلي الصلاة إلا غفرت له ما بينها وبين الصلاة التي تليها)).
وروى الطبري عن أبي هريرة أن رسول الله مر بقبر فقال: ((من صاحب هذا القبر؟)) فقالوا: فلان، فقال: ((ركعتان أحبّ إلى هذا من بقية دنياكم)).
وسيأتي لاحقًا بيان لفضل الصلاة وعظم قدرها إن شاء الله، نكتفي فقط بتذكيركم بحديث الإسراء فعن أنس بن مالك قال: فُرضت على النبي الصلوات ليلة أُسرِيِ به خمسين صلاة، ثم نقصت حتى جعلت خمسًا، ثم نودي: ((يا محمد، إنه لا يبدّل القول لديّ، وإنّ لك بهذه الخمس خمسين)) رواه أحمد.
خمس في الأداء خمسون في الأجر، والحسنة بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم.
أسأله تعالى أن يثبت قلوبنا على صراطه المستقيم، وأن ينفعنا بما سمعنا، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

من فضلك سجل دخولك أو قم بتسجيل حساب للإجابة على هذا السؤال

...