0 تصويتات
بواسطة
خطبة الجمعة مكتوبة عن وسوسة الشيطان للإنسان

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي حذرنا من الشيطان، وأمرنا أن نتخذه عدوا، أحمده -تعالى- وأشكره حمدا وشكرا كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله -تعالى- بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى من اتبع سنته، واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله -عباد الله-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق:2-3].

(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطلاق:4].

(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) [الطلاق:5].

عباد الله: كان الحديث في خطبة الجمعة الماضية عن جهاد النفس، ذكرنا أن جهاد النفس، وجهاد الشيطان من أشق الجهاد وأصعبه، وأن جهاد أعداء الله في الخارج فرع عن هذا الجهاد، وجرى الحديث عن أهمية جهاد النفس ومكانته وحقيقته، وحاجة الإنسان إليه، وأهمية معرفة الإنسان بأحوال النفوس.

ونستكمل الحديث عن هذا النوع من الجهاد بالحديث عن جهاد الشيطان، وقبل ذلك لا بد أن نستحضر أن عداوة الشيطان للإنسان قديمة تبدأ مع بداية خلق أبينا آدم أب البشر، فإن الله -تعالى- لما خلق آدم وصوره، ونفخ فيه من روحه، وأظهر شرفه على الملائكة، أظهر الله -تعالى- شرف أبينا آدم بالعلم، غار منه الشيطان، ودب إليه داء الحسد، كيف يُفضل هذا الذي خلق من طين علينا؟! ثم أمر الله -تعالى- الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا كلهم إلا إبليس (فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة:34].

(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) [الأعراف:11-13].

وبعد ذلك سأل الله -تعالى- أن يُنْظِره إلى يوم القيامة ليتمكن من إغواء ما يستطيع من بني آدم حتى يدخلوا معه النار: (قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأعراف:14-18].

وبعد ذلك أمر الله -تعالى- آدم وزوجه حواء أن يسكنا الجنة، وأن يأكلا منها حيث شاءا، ونهاهما عن شجرة واحدة، ابتلاءً وامتحانًا لهما: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأعراف:19].

وأخبرهم الله -تعالى- بأن الشيطان عدو لهما فلا يخرجنهما من الجنة فيشقيان: (إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) [طه:117].

ولكن ما زال بهما عدو الله اللعين الشيطان الرجيم، ما زال بآدم وزوجه يوسوس لهما، ويأتيهما بطرق ماكرة لم يأت إليهما، لم يأت إليهما، ويقول مباشرة: كُلا من الشجرة، ولو قال ذلك لما أطاعه، لكنه جاءهما بطريق خبيث ماكر: (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) [الأعراف:20].

فأتاهما من جهة الحرص والطمع، ولم يكتف بهذا، بل أقسم بالله العظيم، وحلف لهما بأنه ناصح لهما: (وَقَاسَمَهُمَا) أي أقسم لهما بالله: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: 21] قال قتادة: "فحلف لهما بالله حتى خدعهما" فقال لهما: إني قد خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) [الأعراف:22].

عند ذلك أكلا من الشجرة، وماذا كانت النتيجة؟ في حين أن أكلا من الشجرة بدت لهما سوءاتهما، أي انكشفت عوراتهم، السوءة هي: العورة، وسميت السوءة: عورة، وتسمى العورة: سوءة؛ لأنه يسوء صاحبها كشفها، فلما انكشفت عوراتهما جعلا يأخذان من ورق الجنة ويلصقانه ويلصقانه ويرقعانه عليهما ليسترا به عوراتهما.

سبحان الله! ما أعظم شؤم المعصية، بينما هما في الجنة يتنعمان، ويقال لهما: (وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا) [البقرة: 35] إذا هما بعد المعصية يطلبان ورق الجنة ليسترا به عوراتهما.

ثم انظر إلى مسارعة آدم وزوجه إلى ستر عورتهما بأوراق الجنة، وهذا يدل على أن الحياء من انكشاف العورة أمر مركوز في فطرة الإنسان، فهما قد بادرا إلى ستر عوراتهما من حيث من حين زوال الساتر لهما بدافع فطري، وبهذا يتبين أن الذين يرون أن العري وكشف السوءات تحررا وجمالا؛ إنما هم أقوام فسدت فطرهم، وانطمست معالم إنسانيتهم، إذ أن الفطرة السليمة تنفر من انكشاف السوءة، وتحرص على سترها ومواراتها: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) [الأعراف: 22].

عند ذاك ندِما ندما عظيما، وجعلا يبكيان بكاءً عظيمًا، ولم يعرفا كيف يتوبا: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ) [البقرة:37] يقولها مع الندم، فيتوب الله عليه وعلى زوجه، وهذه الكلمات هي: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:23].

وهي أعظم كلمات يقولها التائب، أعظم ما يقوله التائب أن يأتي بهذه الكلمات التي تلقاها أبونا آدم، يقولها فيتوب الله عليه: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) [الأعراف:23-24].

فأهبط الله -تعالى- آدم وزوجه إلى الأرض، وقد هيأ هذا الكوكب، هيأه لعيش الإنسان عليه قبل إهباط أبينا آدم وحواء، هيأ الله -تعالى- هذا الكوكب فأهبطهم الله -عز وجل- إلى الأرض، وأهبط معهم الشيطان، وأخبر بأنه عدو لهما ولذريتهما من بعدهما، ولهذا قال عز وجل: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا) [الأعراف:27].

عباد الله: لقد جعل الله -تعالى- كيد الشيطان على بني آدم جعله منحصرًا في شيء واحد فقط وهو الوسوسة، فليس له سلطان على ابن آدم إلا بالوسوسة فقط، فالشيطان يوسوس للإنسان، ويزين له المعصية، ويهونها عليه، ويثبطه عن الطاعة، ويكسله عنها، لكنه لا يجبر الإنسان على الوقوع في المعصية، فليس الشيطان يكبل الإنسان بالحديد ثم يدفعه للمعصية، لا، لكنه يوسوس ويزين ويقبل على الإنسان بخيله ورجله، ويعد ويمني، ويستخدم هذه الأساليب الماكرة التي استخدمها مع أبي البشر آدم وزوجه حينما أوقعهما في المعصية، ولهذا قال عز وجل: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [إبراهيم:22].

عباد الله: وإن الشيطان يعرف مواطن الضعف عند كل إنسان، وينفذ إليه من مواطن الضعف عنده، وله خطوات على ابن آدم حتى يوقعه في المعصية، فهو لا يأتي الإنسان ويقول له: لا تصلّ! وإنما يقول: انتظر قليلا قليلا! فافعل كذا! وافعل كذا! حتى تفوته صلاة مع الجماعة، ثم لا يزال به حتى يخرج وقتها إن استطاع ذلك مع الإنسان.

وهو لا يقول: افعل الزنا! وإنما يأتيه بخطوات حتى يوقعه في الزنا، كما قيل: "نظرة فابتسامة فموعد فلقاء" ولهذا قال عز وجل: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) [البقرة:168].

فالشيطان له خطوات على بن آدم حتى يوقعه في المعصية، وحتى يثبطه عن الطاعة، حري بالعاقل الذي يريد السعادة في الدنيا والآخرة أن يحذر هذا العدو اللعين، أن يحذره غاية الحذر، وأن يجاهده أشد المجاهدة، وأن يستحضر دائما بأن هذا الشيطان كان هو السبب في إخراج أبينا آدم من الجنة، وأنه ما سأل الله -تعالى- أن ينظره إلى يوم القيامة إلا أن يتمكن من إغواء ما يستطيع من بني آدم حتى يدخلوا معه النار.

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "جهاد الشيطان مرتبتان: إحداهما: جهاده على دفع ما يلقى إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان، والثانية: جهاده على دفع ما يلقى إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات، فالجهاد الأول يكون بعده اليقين، والثاني: يكون بعده الصبر، قال عز وجل: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة:24] هذا الصبر يدفع الشهوات، وباليقين يدفع الشكوك والشبهات".

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر: 5 - 6].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولنساء المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

من فضلك سجل دخولك أو قم بتسجيل حساب للإجابة على هذا السؤال

...